رَبِحَ بَيْعُكَ يا صاحبي!
كتبهامبارك الهاجري ، في 1 مايو 2008 الساعة: 13:12 م
رَبِحَ بيعكَ يا صاحبي، نعم، فأنت لا يحق ولا يصح لك إلا أن تفخر وتتعاظم وتتأبّه بما فعلت، كيف لا، وأنتَ من يعرفُ في قرار نفسه بأنه ما مِن يدٍ تجرأت وأقدمت على أن تمس فيكَ حنواً حين سلكتَ مسلكك هذا، وما أنت ممن يُعيرُ أذُنَه لواشٍ، وإن مثَّل الرعدَّ سُلطةً عليك في صوته، حسبما قُلتَ لي ذلك يوماً!.
عجباً!، أين أنت مما تقول؟!، وأين أنت مما استبطنَ في فؤادي، وظهر في باطن عقلي؟!.
أما أقدمتَ على البيع وأنت راضٍ؟!.
أما بِعتَ ما معك بثمنٍ كان عدمه ذا قيمةٍ دونه؟!.
كُن سعيداً يا صاح، والعنِ الدنيا التي رَغِبْتَ عنها وهي من أقبلتْ عليك ساعة أن اشتدَّ عليك وثاق الوحدة، وأزهقك رباط الخلو من الألفة، فتقيَّدتَ بِرَحِمٍ ما تواءمَ معك منهم إلا من ساوتِ الأيام بينك وبينه في عددها فقط دون اعتبارٍ لقليلٍ مما يحكم العلاقة بين اثنين تشاكلت بينهما أجزاءٍ من النفس، وسكنتَ في روحٍ كليهما قِطعٌ من روح الآخر!.
وكُن أكثر فخراً حينما لا تفترض في الذكرى إلا جُملةً قد تَرِدُ في سطرٍ من هامش ماضيك، فما أنت منها بمن يشعر باعتراضها آن أنْ تقطعك عن وصل اللحظةِ فيك، وما أنتْ بِمن سَبَقَتْ عينُه قلبه؛ لترى لها ذلك الوميض الذي لا يفضي إليك إلا بأنْفَسَ طَبْعٍ للعذاب، وأثبتَ مَلَكَةٍ لِلَّوعة، وأشدِّ مُعْصِرٍ للقلب، وأقربَ مسلكٍ للآهة، وذلك لا يكونُ إلا في ريع الذكرى، وفي سببها ونتيجتها معاً، ألا وهو الحنين. قاتل اللهُ ذلك الشيخ الذي ما فتئ يحقنُ تجاربه في تلك الألفاظ، ويسوق خِبْرَتَه فوق ظهر تيك المعاني، ثم إنَّه والله لا يتراءى لي بعدُ إلا فتيَّاً أخَذَ من الحيوية نَزَقَها، ومن الطيش جُرْأتَه، وَمِنَ الخِفَّة ثِقَلَها، وليسَ لك إلا أن تنخدع لنشوةِ نفاذهِ فيك، إنْ لم تتأتََّ لرسومه، فتُطيع فيها تلك الريشة التي توهمك بأنَّ ما هو آتٍ ليس إلا أجزاءً مما مضى اجْتزأتها أنفاس تلك الريشة؛ لترعَى لك جميلاً ما خالطتْه إلا بشاشةُ الأمل في ما سيقبلُ عليك، وما تنحَّى عنه إلا نِتاج حظِّ نفسك مما عَلِق بك فيما أدبر عنك من تلك العلاقة، فما ترى ما أنت فيه من سِعَةِ اللحظة إلا خطًّا فاصلاً؛ ولكنه من الطريق ذاتِه، فكأنَّك من رويَّةِ ذلكم الحنين ارتجالاً من الشوق في أن تحترق للرجوع والعودة، وأن تشعرَ بأنَّك ما توقَّفْتَ إلا لتمدَّ نفسك بطاقةٍ تعودُ من أجلها فيما سعيتَ له، غيرَ أنَّك بها أحفظُ عهداً، وأقوى عزيمةً، وأصلبُ عوداً. ألا تباً لِمَن أتى على الإنسانية بها!. أمَّا أنت يا صاحبي فَلَن يجرؤ على عبوس امتداد ودك؛ انفراج أسارير التذلُّلِ الإنساني، حين أن تكونَ في عداد الخليقة التي فُطِرَت أن تختلط بأجناسها فقط؛ لأنَّ ما دونَ ذلك التصنيف مما لم ينخرط فيه سلكُك، أبى إلا أن يرتقي بِمَن لانت جوانبهم، واهتزَّت أعطافهم، وجاشت مشاعرهم، في أن يُركزِوا في المعاملات أثلاً مِنَ القِيَم، ووسماً من الأثر، وأساساً من إحساسات التأثير والتأثُّر، وإن كان ذاك على نَفيس اعتدادهم، واعتزازهم، أو على قيود آلامهم، وأوصابهم، أو على جُلَبِ جروحهم، وعتادِ مخابرهم في نتيجة العاقبة.
فطِب مِن هذه نفساً، فأنت فوق تلك المعاني من حيث إصرارك على نزعها من خاطر فكرك، وعزَمك في إمضاء ذهابها من غَوْرِ نفْسك، بأنْ تلفظُ آخر أنفاسها فيك؛ جرّاء سعيك وراء كُّلِ ما أمكنتِ المادةُ فيه نوعَها، ونَوَّعَ اللهو فيه مادتَه، فَسَعَيْتَ إلى الحياةِ تُمِيْتَ رُوْحَكَ بها؛ لئلا تَقِفَ بِك أحداثُها سعياً إلى الدخول من بابها الذي ما نَظَرَ إليه مَلَكٌ، وما اجتازَ عُتبَتَه شيطان!.
فَقَرَّ من عظيمِ ما فعلتَ عيناً، وكيف لا تزهو؟!، إذا ما علمتَ أن نائلاً من الإخاء المُسْتَعْصِمِ بسخاء النفس، وَجَوْدِ المشاعر، وشمماً من عميق الألفة والوئام، وصرحاً من حفظ العهد والالتزام، قد جُعِلَ في يَدٍ ما وَسِعَتْ فَقَبَضَتْ، وما ضاقت فأبقتْ من ذاك الخير خيرٌ، وإنَّما هي من التَّفيهُقِ والتَّوَهُّمِ كالسراب، فانساب من بين أصابعها انسياب الماء، فما في هذه أثرٌ وما من تلك أثر. أعلمتَ الآن كيف كانتِ العَظمة؟!، وإنَّ فِعْلُك عظيمٌ إن أردتَ الامتداح ولا ضير!.
نعم، رَبِح بيعُك يا صاحبي، وأنت لن تبرحَ أن تكون من الخاسرين فيه، وكيف لا تربح وأنت ممن اشترى نفسه على حسابِ فضيلةٍ برذيلة، فأنت فيما فعلتَ اكتسبت، وإن كان ما اكتسبتَه خسارةً في نفسه!. زِدْ على ذلك أنَّك ما صَدَقْتَ في زعمِكَ حول تلك اليد التي لن تستطيع مَسَّ حنوٍ فيك. فما نَزَلْتَ مِمَّن حولك إلا نُزُل الصوتِ من الكلام، ولستَ فيهم إلا تابِعاً، مُطيعاً لِمَن ما اتبَّع في مَرضِك سُنَّة الزيارة، وما أطاعَ فيك إلا ما طفا على قلبه من مَرِضِ ودَرَن، فتمنى فيْكَ زوال ما تمنى!.
لن تذكر، ولن تعجلَ بالتفكُّر، ولن تندم غداتك هذه، ولن تُصادق على أقوالِ مَنْ عَقِل أبلغ مصائبي، وأقوى رزاياي فيك؛ لكنني قبل الوداع أسَلُكَ أن تتاجر بسلامي مع ذوي طَبْعِك، وستفعل ما دامتْ تجارتكم رابحة!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على السجيّة | السمات:على السجيّة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























