بسم الله الرحمن الرحيم
لا شكَّ أنّي لم أزل أقرأ هذه القصيدة الفاتنة ، ولم أزل مستطرباً مستمتعاً بهذه المشاعر الجميلة ، والنزف الأخَّاذ ، وهي من النوع الذي لا تنسه حينما تقرأه ، بل تجبرك على التطلع إلى المزيد من حسنها ، فحسنها وإن بدا ظاهراً ، فما يستدعيك إلى التردد عليها إلا ما خفي ، وهذه مزية وفخامة القريض الجزل ، والمعاني العميقة ، واللفظ المناسب .
وفي الحقيقة لا أدري لِمَ يأسرنا النَّفَسُ العراقيُّ في الشعر ، فهاهو الشاعر الشهير محمود درويش يقول مصداقيّةً على ما شعرنا به " كن عراقيّاً إذا أردتَ أن تكون شاعرا " ، وهاهو الناقد العراقي محمد صابر عبيد يقول : " الشاعر العربي لا يحسم إلا عراقيّاً " .
وحتى لا نطيل سنطرق باب هذا البغدادي ونستأذنه في (( عيون طفل )) التي رأيناها قبل فترة في الساخر ، ولنجوب بها أرض العراق معه مستأنسين بقليلٍ من فيضه ، وإن كنتَ يا قارئي العزيز ـ لا تعلم من هذا البغدادي ، فدونكَ هذا البيت مراهناً إيّاك على أن لا تترك الصفحة حتى تأتي على آخرها :
لم أعترض وأنا حيٌّ على أحدٍ
ومتُّ فانتفض الأمواتُ واعترضوا
حسناً .. أجزمُ بأنّكَ هنا الآن بالتحديد، ولا أعلم إلى أيّ الحالات تنتمي، عدى أنّك لن تحيد إلا أن تكون ما بين نشوةٍ وطرب، فقس على هذا وتعال معي هنا:
لا شك أنّي لم أزل لا أفهمك & بنيك صدقي حين ظنّك يهدمك
استهلال جميل ، ومطلع مشّوق آسر ، وأجمل ما في مثل هذه المطالع أن يكون بها لفت للانتباه بأي صيغةٍ أتت ، فـ ( لا شكّ ) هنا ، تأكيد وجزم بل هي أقوى المؤكدات وأوحدها في هذا الخبر الطلبي ، وكأن الشاعر هنا حينما يخاطب نفسه ، شاكٌّ متردد في أن يكون فاهماً نفسه أو لا ، فحاول أن يزيل عن نفسه هذا الشك بالمؤكد الذي ذكرناه .
الشطر الثاني حمل مقابلتين جميلتين في المعنى: يبني و يهدم، صدقي و ظنّك.
أخبروني عن معنىً لا يكون الصدقُ فيه بانياً ومحسّناً وبديعاً، لله درّه من شاعر لقد صدق هنا !
تبدو قوياً لا تهابُ وعندما
ترنو إليك عيون طفلٍ تهزمك
مدحٌ هذا أيها الشاعر ، فالمهابة التي تهزمها عيون الأطفال لمهابةٌ جليلة . صورٌ حسيّةٌ ترينا بوضوح ما أراد الشاعر قوله هنا ، وإنّها لفصاحة لا يأتي بها إلا النادر .
ما سحرَ لبّي ها هنا، هو منطق القوة التي لا يضنيها جلبة فكيف بنظرةٍ من طفل، وليس هي ككل نظرة، بل هي نظرةٌ بها من السكون والهدوء ما يجعلها ترنو فتهزم هذه القوة
المصطنعة !
يا صارخاً في داخلي يحتّلني
أحتار كيف وأنت صوتي أكتمك
هذا البيت محورٌ أساسي لفهم هذه القصيدة؛ إذ أنَّ به يُفهم أنَّ الشاعر فيها لا يخاطب إلا نفسه، ولعله أتى في موعده.
يأسرني النداء دائماً ، لما به من الاستنجاد والطلب لحاجة من المنادي ، أو هو التذكير بألطف حالاته من المطلوب حينما يتشكل في صورة طلب وإن كانت الحاجة للمطلوب أساساً !
تتابعت في الشطر الأول صور سمعيّة وحسيّة وبصرية ، فالسمعيّةُ في (( صارخاً )) ، والصرخة لا ترى ولا تُحس ، بل تُسمع ، والحسيّة في (( داخلي )) ، فما بالداخل محسوسٌ لا مرئيٌ ولا مسموع ، والاحتلال بين أن يكون بصريّاً مشاهداً وبين أن يكون حسّياّ يُشعر به ، ولا نراه هنا إلا حسيّاً محضا !
فانظر إلى هذه المعاناة كيف بدأت في داخله، وشى عليها ذلك الصوت القلق الذي أحدث في أذنه ما جعله يشعر بالاضطراب إزاء هذا الصخب الذي أودى به إلى الحيرة. ليس يعلم من طريقةٍ لكتمان هذا الصوت، ولكن ما هذا الصوتُ يا ترى ؟
ثمَّ إن تقديم (( وأنت صوتي ))، أقرب إلى موضع الاستغراب منها إلى قيد القافية !
أحتار في : هل لم تزل مستنفَراً
تغلي بالآم الحياة جهنّمك ؟
هنا استطراد لحيرته ، وصورةٌ جميلة لهذا الاستنفار الذي لم يكن إلا من غليان جهنّمه بالآم الحياة ، ولنرَ الفصل في ( أحتار في ) ثم الاستئناف ( هل لم تزل مستنفراً ) ، فبها بدأ الإنشاء ، والاستفهام هنا تعجبي !
وها هنا تناسب الألفاظ مع ما أراد من معنىً في ذلك الجحيم الذي يحترق به ، فأتى بـ (( استنفار )) ، (( وغليان )) . إشارة منه إلى بلوغ الأمر مبلغاً لا يطيق أن يبقى في مكانه من هول ما يشعر به !
أم هل تركتَ الأرض تُغرقُ نفسها
وظننتَ أنّ جبال صمتك تعصِمُك
" أم " هنا يستأنف بها سؤاله واستفهامه .
يلوم نفسه إذ اعتصم بصمته وهو الذي لا يعصم ولا يغني من ماذا ؟ .. لا نعلم ربما لما يمر عليه من الحوادث التي لن ينأى عنها بالتغافل !.
استعار هنا ( الجبال ) المحسوسة، لـ ( الصمت ) المعقول، وهي كناية عن الكثرة في الجمع " جبال " وليس " جبل "، وعن الشموخ المنجي في أصل هذا الشيء " الصمت " !
يا أيها الباكي عليك متاهةٌ
حملت وريدك أن يغادره دمك
أنظر إلى الدقة في التحوير ، أو التعميم ، حينما تلد بحيرة ، وتترعرع وتنمو بمتاهة ، ثم التبيان لنتيجة هذا المتاهة في أنّها سببٌ إلى الموت ، فحينما يغادر الدم من الوريد ، كيف له أن يعيش ! . بيان جميل هنا ، ولننظر إلى التعقيب في البيت الذي يليه :
فنشرتَ جلدك للرياحِ دريئةً
إذ كان جلدكَ ملءَ سمعِكَ يشتمك
أي : بسطتَ جلدكَ للرياح ، لتشتت أجزاؤه فما من جلد بعدها ، وهذا صورة تؤكد ما قبلها من الاستحالة ، وهنا محال أن يقيه جلده من الرياح ، وهي ـ أي : الرياح ـ إن لم يخب ظنّي كما المتاهة إن لم تكن هي ؛ لذا فالبيت جاء مساقاً لما قبله في المعنى ، ولكن الشطر الثاني قلل من جمال الاسترسال في الشطر الأول برأيي ، فأبهم علينا ما ننتظر وضوحه لنا !
وقطعت فيك لسانك الحرَّ الذي
لم يدرِ بين يديك كيف يكلمك
عودة إلى الاستئخاذ بهذه الصورة الجميلة التي أوردها الشاعر هاهنا ، وما زالت الحيرة تترأس الأبيات من الأول إلى هذا ، فهو إن قطع ما لم يجرؤ على الحديث معه ، فإنّها تقيّة لما سيحدث ، أي أنّه ذاهبٌ إلى أشد حالات الصمت " البكم " ، ما أعذب الشاعر هاهنا !
وأخذت تستجدي فماً وتلحُّ في اسـ
تجدائه ويّلُح وهو فمٌ فمك !
المعنى هنا يقرب مما جرى في سابقه ويوضحه. يلح على فمه بالتحدث، وكيف ذلك وقد قطع لسانه قبلاً، وهوـ أي: الفم ـ هل يلّح على الكلام أم الإمساك عنه، لم يتضح هذا، ثم إنَّ " فمٌ فمك " أشعر بأنها قلقة موغِلة في التعقيد !
وبقيتَ … تنطفئ النجوم جميعها
ويموتُ فيها الضوء لكن أنجمك
عودةٌ إلى المعاني الغائصة، عمق لكن من ذا يحب العمق هنا، وهو على شفا فهمٍ، فلِمَ هذا التصاعد في الإبهام ؟
ما يشفع لغموض هذا النص أنّه يبحث عن خفايا الغوص الذاتي، إلا أنّ لكلٍّ طريقته في الإفصاح عن هذا الشيء، فهناك من يحاول أن يجلّي ليتبين، وهناك من يكشف رأس حرفٍ فقط، كاسياً ما تبقى بطرف عينه !
يبدو أنّه في هذا البيت ما زال مضيئاً في شيء ما ، ولا أظنّ أنّه في الجانب الذي يتمنى أن يصل إليه ، وقد حنق على ما بدا له منه فيما سبق !
وبقيتَ تبحث عن مياهك في المدى
أوقف جنونك إنّ وهمك زمزمك
حقّاً مجنون، وهل عقل الشعراء يوما !
هناك أبيات جمالها يستحوذ على م