أبريل 2nd, 2008
كتبها مبارك الهاجري
نشر في , يُحكى أن ...,
,
ها أنتَ قبل يومين من مُضِّيك وقفت سيارتك قريباً مني ممازحاً إياي؛ ثم لم تتأخر كثيراً فيما بعد سلامك عليَّ، ذاهباً إلى عملك الذي يجمعني وإياك، وأنا وإن كنتُ أستثقل منك بعض التصرفات التي تراها أنت غوراً في التشبب، ومتناً في العلاقة، في حين أنَّ محدثك ينظر إليها على أنها من عبث الصبيان، ومن تصابي العقل، ومن فساد الفكر، بيد أني يا صالح أرى ذلك اليوم في زمني هذا يوماً أحسبه لحظةً انْتُزِعَتْ منها مباهج الدنيا، فلا قبل ولا بعد، أو أنَّه من النقص بحيث أن كانت شمسه تضيء من قفا، بنورٍ أقرب ما يكونُ باهتاً، أو أبعدُ ما يكون عن الإغراق في متع الأحياء به، أو أنَّه بقي في ذاكرتي كمسخِ حلمٍ من أحلام النوم، فأنتَ تعرف كيف هي مشاهد النوم، تراها كالدنيا وهي ليست إلا خارجةً عنها، وتشعرُ بحركةٍ فيها تتوسط الضجة والهدوء توسطاً مريباً، ولو أنها مالت بكفتها إلى أحدهما لكان خيراً ، ولكان أمرها أمر يقظةٍ لا نوم. أنت تدرك تأثير بعض الأحلام فيك وأنت في بكور استيقاظك، لا بد وأنْ أنِسَتْ وحشتُها في صدرك، وقعى قلقها في طريق نَفَسِك، وتعلقّت مادتها في أحشائك، فأنت فيما لا نهاية له من الاضطراب، وفيما لا فرج له من الاكتئاب، هذا وهي سويعاتٌ من يومك، فكيف بهذا الزمنِ من النائبة على بضع ساعةٍ ظننتُ أنها لا تُعد في العمر.
أبداً لم أصدق، وما كنتُ على علمٍ بنفسي حين أن صدّقت ذلكم الخبر، أجزمتُ لوهلةٍ بأنَّ هناك خطأً ما، ولا ريب أن الأمور ستتضح بما اعتقدته صحيحاً؛ ولكنني خبتُ بعد أن خاب ظني يا صالح، كانت أصوات محبيك تبحث في صوتي عما يُسكن بحَّة حناجرها، وأنا الذي بادلتهم ذلك الشيء بالمثل، فما وجد معزينا عند الآخر إلا النعي، فيا ليتك انتصفتَ من تجمعنا في غيابك، بتفرقنا في حضورك يا صالح، ولو لخصومةٍ من خصومات الدنيا.
أتعلم، ربما لا فرق بين أن تعلم أو لا تعلم؛ وكيف ذاك وقد ابتلعتك الأرضُ في أحشائها، فما أنت بمدركٍ لما فوقها، وما أنتَ في حالٍ تلوح لعقلك بأدنى لمحةٍ عما يتجرعه بعض الأحياء من مرارةِ فقدك، وأنا لن أتحدث عن حياة البرزخ التي تحجبك عنّا؛ ولكنني سأصرُّ على مخاطبة كلِّ أثَرٍ بقي منك فينا، وسأعلمُه بأن لباب الوجع، وذروة الألم، وخُلاصة الكرب، هي في الذكرى والحنين إلى ما مضى على أيِّ اعتبار كان، فما من مهمومٍ يريبه من همِّه ما سيأتيه غداً، إلا وتبرز سطوة الهم عليه فيما قبل، فتقف على فَرَجِه فيما بعد، وما من مشتاقٍ أضناه شعوره
المزيد
يوليو 14th, 2006
كتبها مبارك الهاجري
نشر في , يُحكى أن ...,
,
استلقيتُ على فراش الوالد كما وصمته أميّ مراراً حينما تلج إلى حجرتي ، وتشاهد هذا الفراش الذي منذ أن قطنّا هذا البيت وهو على بقعةٍ من الأرض لا يفارقها لا في هيئة ولا في امتداد لطرفيه سمح به تعاقب الزمن طولياً كان أم عرضيّا ، عدى ما تفعله به تقلّباتي أثناء نومي ، إلا أن ذاك لا يهدم وفاءه مع تلك البقعة.
ابتسمتُ حين أن تذكّرت قول أمّي إذ أنّه أصبح من المأثورات بالنسبة لعائلتنا ، وحاولت أن أواري ذلك التعب الذي امتلك مفاصلي جرّاء اثني عشرة ساعةٍ متواصلة من العمل ، ولا أعلم كيف أنّ وزارة العمل تجهل أو تغفل عن شركةٍ يمتد عمل موظفيها إلى نصف يومٍ بالفعل !
حاولتُ أن ألفظ كل تأوّهاتي الحسيّة والمعنويّة عبر تنهيدة تفضي بي إلى الاسترخاء ، غير أنّي لم أنجح !
استدنتُ برأسي على مسندٍ باقيةٍ من أرائك قديمةٍ لنا ـ مؤكداً أثريتي ـ فمددتُ ساقيّ شاداً قدميّ رافعهما إلى الأعلى ، فسمعتُ شكوى جسمي عبر آهةٍ هي أقرب إلى الصيحة منها إلى الزفرة !
لا أظنُّ أن لي موعداً مع النوم في ساعتي تلك ، غير أنّي أخذتُ أمرر يدي فيما يلي فراشي، باحثاً عن جهازي تحكم التلفاز والرسيفر علّي أمرر ساعتي تلك في ما يقرّبني من النوم ، ويبعدني عن هم العمل . لم أكن من النشاط بحيث أن ألتفت برأسي إلى جهة البحث ، أو أدير جسمي إليها ، فاكتفيتُ بتحسس يدي ، لتقع بدايةً على مبيدٍ للحشراتٍ ملقى ، استعرته من أهلي ساعة أن شاركتني ذبابةٌ المبيت في هذه الغرفة لما يقارب الأسبوعين ، منغّصة على الاستمتاع بالتأمل في سقف الغرفة ، أو في قراءة بعض الكتب ، أو في مشاهدة بعض البرامج . دفعته ممتعضاً حين تذكرتها ، فاصطدمت كفّي بهاتفي الجوّال ، فتذكّرت بأنّي لم أعدّه للتنبيه لاستيقاظي غداً ،فقرّبته من وجهي مستلذاً بحال التعب التي تملّكتني ، وإذا بي انتفضُ انتفاضة وكأني لم أتعب أو أستلقِ أو أسلُ النوم شيئاً قبلها ، بل وكأن بي مارداً يهتزّ طرباً حينما سمع مزماراً .
كدتُ أن أقذف الهاتف بأقوى ما أستطيع لحظة أن رنّ تلكم الرنّة مقلقاً عليّ خلوتي بغفلتي ، فتأهبتُ للصمود إزاء ذلك ، لأتفحّص اسم المتصل ، لأكيل عليه أنواعاً من الشتائم لم يسمعها لا من قبل ولا من بعد ، فإذا بي أرى رقماً بلا اسمٍ مُخزّنٍ ، فتوجّستُ شيئاً من الغرابة ؛ ولكنني من الذين يهتمون بكل اتصال حتى وإن كان الرقمُ غريباً أو مجهول الصاحب ، إذ أنني أجدُ في ذلك أملاً إلى شيء لا أعلم كنهه . ضغطتُ بأصبعي على زر بدء المكالمة ، لأسمع المتحدث أولاً ، ولأحتفظ بشيء من الهيبة ، فما علمتُ باستلقائي إلا جلوساً ، وما رأيتُ عضلاتي المسترخية إلا وقد شدّت !
صوتٌ قد أخذتِ الموسيقي عهداً على أن يكون نغماً من أنغامها ، ولا عزاء إلا للبلبل والعندليب ولكل من يشدو في ذلك !.
أجل هو ناعمٌ ، وكأنّه في نعومته تقبيل قطراتِ المطر لغرّة الأرض ، بل وكأنّه في شحذه للمسامع سحرٌ لا تملك فيه نفسك ، ولا كلّ ما يمتُ لوجودك .
صوتٌ هو النفثات في العقد ، بل هو الصوت الذي لا عشتَ إن لم تنظّف به أذنيك دوماً .
كأنّ بينه وبين الأخذِ حسب ، ومنه إلى الفتنة سبب .
لم أميّز متى تحدّثتُ حينما سمعتها تشدو :
ـ السلام عليكم ، أستاذ محمد بالنسبة للخصخصة في …………….
أذكرُ أنّ هناك قصديراً لعلاجٍ لي أخذتُ أقلّب فيه النظر مأخوذاً شَجِناَ إبّان شدوها ، فلم أتيّقن أنّها قالت شيئاً إلا حينما أعادتُه بنبرة المعيد في ذلك النغم :
ـ أستاذ محمد ، ما بالك ؟ .. أنا أتحدّثُ معك !
فُقتُ من سكرتي ، ويا ليت أنّي لم أفق ، قاومتُ نفسي فقلتُ لها بنشوةٍ جعلتها الألحان شفّافةً عذبة :
ـ لستُ محمداً ، أنتِ مخطِئةٌ في الرقم !
أجابت بعد برهةِ صمت :
ـ حقّاً ! ، أنا آسفة ، أعتذر ، أرجو أن تقبل اعتذاري ، لم أكن أدري ، مع السلامة !
بودي لو قالت إلى اللقاء ، ولم تقل مع السلامة ، إذ أنّي لا أثقُ بسلامتي إلا مع مثلها .
حاولتُ أن أعدّ التنبيه مرّة أخرى ، فلم أجد لذلك نفساً مقبلةً ولا راغبة .
أعدتُ جسمي إلى ما كان عليه قبلاً ، وهممتُ بأن أفتح التلفاز . لا بد أن أفعل شيئاً في ليلتي تلك ، وإلا غلبَ عليّ النكد ، فلا يكون لي حظٌّ فيما أخذتُ على نفسي عهداً فيه بألا أحزن لما ليس بأهلٍ حزنه ، فالدنيا لا تساوي بأكبرها أصغر قيمنا. هذا ديدني ، عدى أنّي بشر ، فمهما حاولت أن أختلف عمّن يقول غير ذلك في شيء ، أو تأثّرتُ بكتب الفلاسفة يوماً ، فإنني ما زلتُ على وجه هذه البسيطة ، أنهل منها شئت أم أبيت ، ولا حظّ للفلاسفة فيما قالوه أصلاً ، لأنهم وإن عادوا من مرقدهم ، لن يزيدوا عنّا في هذه الحياة في شيء ، فلأتركهم وكتبهم ، علّهم يجدون لها قارئاً ومتقبلا . ولأسبح في خيالاتِ ما افتتنتُ به منذ أن عرفتني شابّاً ، وأظنّ أنّ هذا هو الوقتُ الأنسب ، فلا صخب في الفضاء ، ولا دعة في النفس بعد ذلكم الصوت ، فما لي إلا أن أطفئ النور ، وأغطّي رأسي بذلك اللحاف ، فاستعرض جميع الوجوه التي افتتنتُ بها في حياتي ؛ لأؤلف معها قصة شبيهة بقصص شهر زاد ، إن لم تزد عليها، فعصرنا باعثٌ على الزيادة في كل شيء حتى في البدع ، ولأبدأ بتلك الشادية .
نهضتُ من فوري إلى زر النور ، بعد أن ألهبتني خواطري ، فإذا بنغمة تصدحُ من جوالي ، إشارةً منها على
المزيد